في القرآن الكريم، يُقدَّم الماشية والحيوان كنِعمة من نِعم الله للإنسان، غير أنّ هذا الجود يُرافِقه تكليفٌ بالشكر والاحترام تجاه ما يُرزقنا.
من بين النِّعَم التي يُذكّر الله بها الإنسان في القرآن الكريم خَلْقُ الماشية، الموهوبة مصدراً للغذاء والدفء والمنفعة. لم يُقدَّم هذا الجود الإلهي قط على أنه مسلَّم به؛ فهو يستدعي الاعترافَ بالفضل والتعاملَ المسؤول مع ما نتغذى عليه.
الماشية نعمة مذكورة في القرآن الكريم
يُشير القرآن الكريم في مواضع عديدة إلى الماشية (الأنعام) — البقر والأغنام والماعز والإبل — كخَلْقٍ سُخِّر لخدمة الإنسان. وسورة النحل، التي تحمل في اسمها إشارة إلى الكائنات الصغيرة، تبدأ بسَرْد هذه النِّعَم المرتبطة بالحيوان: لحمُه غذاءً، وصوفُه وشعرُه للباس، وحليبُه للشراب. ويُنقل في هذه السورة أنّ هذه الحيوانات تحمل أثقال الإنسان إلى بلاد لم يكن ليصل إليها إلّا بمشقّة، وهي من آيات رعاية الخالق.
وكذلك سورة الأنعام، التي يحمل اسمُها معنى الماشية ذاتِه، تُفرد حيزاً واسعاً للتأمل في هذه الحيوانات: نشأتُها وتنوّعُها، والكيفية التي جعلت حلالاً للاستهلاك. يؤكد القرآنُ الكريم فيها أنّ الله خلق هذه الحيوانات «أزواجاً»، وأنّ على الإنسان ألّا يضلّ في محرَّمات أو عادات لا أساس لها، بل أن يتّبع ما استُبينَ له.
استهلاكٌ يُؤطّره الشكر
هذا الإذن بالتغذي من الحيوان لم يُفصل قط عن تكليفٍ أخلاقي. يطلب القرآنُ الكريم مراراً أن يأكل الإنسان «من الطيبات» التي أسبغ الله عليه، مع كونه شاكراً. وحسب قول بعض المفسرين، فإنّ هذا الاقترانَ الدائمَ بين الغذاء والشكر يُذكّر بأنّ الحيوانَ المستهلَكَ ليس مجرّدَ مورد، بل هو عطاءٌ يستحضر مسؤولية: عدم الإسراف، وعدم الإساءة، والاعترافُ بمصدر هذه النعمة.
وأُثير أيضاً في السنة النبوية أنّ النبي ﷺ علَّم قواعدَ محددة تتعلق بمعاملة الحيوانات المُعدَّة للطعام، وخاصة تحريمَ إيذاء الحيوان بلا ضرورة قبل الذبح. حديثٌ أخرجه الإمام مسلم يروي أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسِنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذبح، وليَحِدّ أحدُكم شفرتَه، وليُرِح ذبيحتَه.» يُظهر هذا التعليمُ أنّه حتى في فعل التغذي، تبقى الرفقُ بالحيوان مطلباً مركزياً.
طعامٌ لا يمحو كرامةَ المخلوق
هكذا يتّفق القرآنُ الكريم والسنةُ النبوية على مبدأ: الحيوانات الموهوبة غذاءً تبقى مخلوقاتِ الله، جديرة بالاحترام حتى في لحظتها الأخيرة. الإذنُ بتناول لحمها أو منتجاتها لا يبيح الإسرافَ ولا القسوةَ ولا نسيانَ المصدر الإلهي لهذه النعمة. من هنا، فإنّ التكرارَ المتواتر في القرآن الكريم لضرورة الشكر على هذه العطايا يدعو المؤمنَ إلى أن لا ينظرَ للحيوان كمادة مجردة، بل كعنصرٍ من الخلق يستحق الاحترام.
هذا الدرسُ يصدِح بصداه حتى اليوم: العنايةُ بالحيوانات، والاهتمامُ برفاهيتها وبظروف تليق بها، سواء في تربيتها أو معاملتها، تندرج في امتدادٍ طبيعي لهذا التعليم. التغذي من بركات الخلق يعني أيضاً تقبّلُ المسؤولية التي تصحبه تجاه كل مخلوقٍ أُسند إلينا.