كبشٌ أرسله السماء، وأب وابنٌ في الابتلاء الأعظم: قصة فدية إبراهيم تُظهر كيف أصبح حيوانٌ رمزاً خالداً للاستسلام لله وللرحمة الإلهية.
إبراهيم عليه السلام كان قد دعا الله أن يهبه ولداً صالحاً. فلما بلغ إسماعيل مع أبيه سِنّاً يصحبه في أعماله، رأى إبراهيم في المنام أنه يذبحه. والرؤيا عند الأنبياء حقٌ: فهم أنها أمرٌ من الله يجب تنفيذه.
الابتلاء الذي أُعلِن للابن
لم يخفِ إبراهيم شيئاً عن إسماعيل. أخبره برؤياه وطلب منه رأيه، لأنّ الابتلاء يتعلق بهما معاً. وقد ذكر الله جواب الغلام في سورة الصافات:
﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾
(سورة الصافات، الآية 102)
إن هذا التسليم المشترك من الأب والابن يختم أحد أعظم المشاهد في القرآن. لم يتراجع واحدٌ منهما عما يعتقدان أنه إرادة الله، وهذا الاستعداد في القلب، وليس الفعل ذاته، هو ما يشكّل المعنى الحقيقي للابتلاء.
الكبش المُرسَل من السماء
وعندما أقبل إبراهيم على تنفيذ ما أُري له، تدخّل الله ووقف حركته. أرسل كبشاً ليحل محل الغلام، فتحوّل الابتلاء إلى درسٍ في الرحمة بدلاً من كونه ذبحاً بشرياً. وقد ذكر القرآن هذا الحدث في السورة ذاتها:
﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾
(سورة الصافات، الآية 107)
وبحسب أقوال المفسّرين، أرسل الله هذا الكبش مباشرة من السماء بدلاً من الغلام. فأصبح الحيوان وسيلة أظهر بها الله رحمته، مانحاً إسماعيل النجاة مع التصديق على صدق نيّة إبراهيم. فليس الدم المراق ما يُعتدّ به عند الله، بل استعداد القلب للطاعة، كما يذكّرنا موضع آخر من القرآن حول القرابين: لا يصل إلى الله لحمُها ولا دمُها، بل يصله التقوى من المؤمنين.
إرثٌ متجدّد كلّ سنة
من هذا الحدث وُلد طقسٌ يحييه ملايين المسلمين كلّ سنة في عيد الأضحى: ذبح حيوان من الضأن أو البقر أو الإبل، تذكّراً لاستسلام إبراهيم ورحمة الله. وهذا الطقس ليس استحضاراً للعنف، بل استحضاراً للثقة المطلقة بالله، وللارتياح الذي يعقب الابتلاء.
والأحكام الإسلامية المتعلّقة بالقرابين تؤكّد على الرفق بالحيوان: يجب أن يعامَل باللين، وأن يُسقى، وألا يُسام سوءً ولا يُرعَّب بلا سبب، والسكّين يجب أن تكون حادّة لكي يكون الفعل سريعاً وأقلّ إيلاماً. هذه الوصايا، التي وردت خاصة في صحيح مسلم، تذكّرنا بأنه حتى في قلب طقس ديني، الرحمة بالحيوان تظلّ واجباً وليست خياراً.
فقصة كبش إبراهيم تعلّمنا أن للحيوانات مكانة أكبر بكثير مما نتصوّر في العلاقة بين الإنسان والمقدّس. هذا الكبش المُرسَل من السماء لم يكن مجرّد موضوع بديل: بل كان وسيلة رحمةٍ إلهية، ويبقى اليوم شاهداً حيّاً على أن الرفق بمخلوقات الله، بما فيه حتى لحظة ذبحها، جزءٌ لا ينفصل عن الإيمان.