بعد أول مصيبة حلّت بالبشرية، بقي أحد ابني آدم في حيرة وارتباك أمام جثة أخيه، فأرسل الله إليه غراباً يعلّمه، بحركة بسيطة، ما لم يكن أحد من البشر يعلم بعد كيفية فعله.
بعد القتل الذي ارتكبه أحد ابني آدم ضد أخيه، تلك المصيبة التي يرويها القرآن في سورة المائدة، وجد الرجل نفسه أمام وضع لم يعرفه أي إنسان من قبل: كان عليه أن يفعل شيئاً بجثة أخيه. لم تكن هناك بعدُ أي عادة، ولا تعليم، ولا مثال يحتذى. يصف النص القرآني حيرته بكلمات بسيطة ومؤثرة.
حيرة ابن آدم
يروي القرآن أنه بقي لا يدري ماذا يفعل بجثة أخيه، حتى بعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري جسد أخيه.
﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾
(سورة المائدة، الآية 31)
تعليم جاء من عالم الحيوان
هذه الآية جديرة بالتأمل: إنه طائر، مجرد مخلوق من عالم الحيوان، يصبح الأداة التي علّم الله بها الإنسانية أحد أعظم أفعاله وأكثرها عزة، ألا وهو دفن الموتى. ابن آدم، الغارق في الندم والحيرة، يراقب الغراب وهو يحفر التراب، يخدش الأرض، ثم يغطيها. هذه الحركة، وهي تتكرر أمام عينيه، كشفت له أخيراً ما كان يتوجب عليه فعله.
يذكر بعض المفسرين أن هذا الغراب ربما كان يحفر لغراب آخر ميت أو لتوضيح المشهد، حتى تكون الدرس واضحة جداً لعيون الإنسان الشاهد على الموقف. لا يتم تحديد هذا التفصيل بدقة مؤكدة في النص القرآني نفسه، لكن التعليم الأساسي، بلا غموض، هو أن الله أظهر للإنسان من خلال مثال حيوان كيف يكرّم قريبه، حتى وإن كان في الموت.
هذه القصة تدعو إلى تأمل عميق. الإنسان، الموهوب بالعقل والمعتبر أسمى المخلوقات، يجد نفسه هنا متجاوزاً، مؤقتاً، بغريزة وسلوك طائر بسيط. الغراب لا يتصرف بناءً على اختيار أخلاقي واعٍ، لكن فعله يصبح، بإرادة الله، درساً عالمياً. وهذا يذكّرنا بأن كل المخلوقات، حتى أصغرها، تحمل فيها حكمة وفائدة أرادها الله، وأن لا شيء في الطبيعة بلا معنى أو خال من المقصد.
درس في علاقتنا بالحيوان
يعلّمنا هذا المقطع من القرآن أن ننظر نظرة منتبهة ومحترمة إلى الحيوانات من حولنا. الغراب، الذي يُنظر إليه نظرة سلبية في بعض الثقافات، اختاره الله هنا ليكون رسول درس أساسي للبشرية جمعاء. وهذا يذكّرنا بأنه لا يجب أن نحتقر أي مخلوق أو نعتبره بلا قيمة.
بالنسبة للمسلمين وكل من يهتمون بمكانة الحيوانات في التقاليد الدينية، تعتبر هذه القصة دعوة إلى اللطف والرحمة تجاه كل المخلوقات، كبيرها وصغيرها، ما يُحب منها وما يُخشى. كل حيوان، بطريقته الخاصة، قد يكون حاملاً لدرس أو حكمة أو تذكير لمن يحسن المراقبة بتواضع. الاعتناء بالحيوانات واحترام مكانتها في توازن العالم، هذا أيضاً اعتراف بالحكمة الإلهية التي جعلت من غراب بسيط المعلم الأول للإنسانية في أحد أعظم أفعاله وأقدسها.