يشتكي جمل إلى النبي ﷺ بأنين لا يفهمه أحد غيره. يذكّرنا هذا الحديث بأن للمواشي حقوقًا، وأن مالكيها يتحملون مسؤوليتها أمام الله تعالى.
قراءة في 1 دقائق · نُشر منذ أسبوعين · 29 مشاهدة
دخل النبي محمد ﷺ يومًا بستانًا يملكه أحد أهل المدينة. وإذا بجمل فيه بدأ يئن وتنهمر من عينيه الدموع حين رآه. اقترب منه النبي ﷺ ووضع يده على سنامه وعنقه حتى سكن الحيوان.
الجمل الذي يستشكي
سأل النبي ﷺ حينئذ: من صاحب هذا الجمل؟ فجاء شاب من الأنصار وقال إن البهيمة له. فخاطبه النبي ﷺ بكلام ورد في حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد ورواه أبو داود أيضًا: «ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ إنها تشتكي إليّ أنك تجيعها وتتعبها.»
Publicité
Publicité
يعلّم هذا الحديث مبدأً أساسيًا: الحيوانات الموضوعة تحت حراسة الإنسان ليست مجرد أدوات، بل هي خلائق الله التي يحاسب الله عليها أصحابها. الجمل، وإن عجز عن التحدث بلسان البشر، استطاع أن يعبّر عن معاناته، والنبي ﷺ بالرحمة التي آتاه الله عرف معنى شكواه.
مسؤولية المالك
ورد أيضًا في حديث صحيح أخرجه صحيح البخاري وصحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «اتقوا الله في هذه البهائم الخرس، فاركبوها بالمعروف وأطعموها بالمعروف.» هذا القول يسير في الاتجاه ذاته: المركوبة تقدم خدمة لمالكها، وهذه الخدمة تستوجب عناية دقيقة وغذاء كافيًا وراحة مستحقة.
حفظ أصحاب النبي ﷺ هذا التعليم حتى جعلوه قاعدة من قواعد حياتهم. فقد روي أن بعضهم كانوا يتجنبون إثقال مواشيهم أو إرهاقها بالسير دون توقف، خشية أن يخالفوا هذه المسؤولية التي ذكّرهم بها النبي ﷺ بنفسه. كانت المركوبة، سواء أكانت جملًا أم حمارًا أم فرسًا أم بغلًا، تعتبر وديعة من الله لا ملكًا بلا حدود.
يبيّن قصة الجمل الشاكي أيضًا بعدًا أوسع من تعاليم النبي ﷺ: الحساسية تجاه الخلائق التي لا تتحدث لغتنا. لم يتجاهل النبي ﷺ هذا الأنين كمجرد صوت حيواني، بل عرّفه شكوى مشروعة جديرة بأن تُسمع وتُصحح. هذا الاهتمام بكائن كان غيره قد يهمله يظهر مدى اتساع الرحمة التي يدعو إليها الإسلام وراء العلاقات بين البشر.
رحمة ينبغي تنميتها اليوم
ينبثق من هذا التعليم مبادئ بسيطة يمكن لكل واحد أن يطبقها تجاه الحيوانات من حوله، سواء أكانت أليفة أم إنتاجية أم عاملة:
عدم فرض جهد على الحيوان يتجاوز طاقته.
التأكد من توفر غذاء وماء كافيين له.
إعطاؤه قسطًا من الراحة وعدم معاملته بقسوة من إهمال.
تذكر أن الوديعة التي عهد الله بها تستوجب حسابًا.
يبقى حديث الجمل الشاكي إلى النبي ﷺ، حتى في أيامنا هذه، تذكيرًا بسيطًا عميقًا: الاعتناء بالحيوان ليس خيارًا متروكًا لحسن نية كل فرد، بل هو مسؤولية أخلاقية متأصلة في الإيمان. سواء أكانت مركوبة الأمس أم حيوان أليف اليوم، تبقى الرحمة تجاه الخلائق الصامتة واجبًا يجب على القلب المؤمن أن يحفظه بثبات وحنان.