في صحراء الجزيرة العربية، كان الجمل يرافق كل مرحلة من مراحل الحياة البشرية. يدعو القرآن الكريم إلى التأمل في خلقه كدليل على حكمة الله تعالى.
قراءة في 1 دقائق · نُشر منذ يومين · 5 مشاهدة
في فسحات الجزيرة العربية الشاسعة، كان الجمل يعبر الرمال دونما كلل، يحمل على ظهره أموال القوافل والمسافرين والآمال: الجمل. لم يغب هذا الحضور الدائم في حياة العرب اليومية عن القرآن الكريم، فأورد ذكره عدّة مرات، حيناً كآية من آيات الخلق الإلهي، وحيناً آخر عبر قصة معينة تتعلق بقوم ثمود.
آية من آيات الخلق التي تستحق التأمل
يدعو القرآن الكريم المؤمنين إلى التأمل في العالم من حولهم لكي يدركوا فيه قدرة الله تعالى وحكمته. الجمل، حيوان مألوف لدى العرب في القرن السابع الميلادي، أصبح بذلك مثالاً حياً على هذه الدعوة إلى التفكر. وفي سورة الغاشية، يستفهم الله تعالى:
يحثّ هذا الآية على التأمل في البناء العجيب للجمل: قدرته على البقاء أياماً طويلة دون شراب، صموده أمام حرارة الصحراء اللافحة، قدماه العريضتان المهيأتان للسير على الرمل، جفونه وفتحات أنفه الحاميتان عينيه من عواصف الرمل. لدى المفسرين، هذا الخلق المتناسق تماماً مع البيئة يُعرض كدليل على حكمة الخالق، متاح لكل من يتأمل فيه بقليل من التدبر.
ناقة ثمود
يظهر الجمل أيضاً في القرآن الكريم من خلال قصة محددة، تلك الناقة التي أُرسلت آية إلى قوم ثمود الذي بُعث إليهم النبي صالح عليه السلام. طلب هذا القوم آية حتى يؤمنوا، فأخرج الله من الصخر ناقة معينة، آية بينة من آيات قدرته. وأُمروا بأن يتركوها تشرب وترعى بحرية، دون أن يمسّوها بسوء.
وردت هذه القصة في عدة سور، منها سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء. قوم ثمود، بدلاً من احترام هذه الآية، قَتَلوا الناقة تمرداً وكبراً، فحلّ بهم عذاب شديد كما يروي القرآن الكريم، مثالاً للأجيال اللاحقة. تذكّر هذه القصة بأن الحيوانات التي تُرسل آيات من آيات الله تستحق الاحترام والحماية، وأن الإساءة إليها قد تكون رمزاً لقلب قسا عن التعاليم الإلهية.
حيوان في قلب السنة النبوية
فضلاً عن القرآن الكريم، للجمل مكانة مهمة في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وردت عدة أحاديث صحيحة تروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بحسن المعاملة نحو الحيوانات، وخاصة الجمال، بعدم تحميلها ما تطيق ولا إساءة إليها. في صحيح مسلم، يُروى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جملاً هزيلاً متعباً، فذكّر صاحبه بواجب تقوى الله تعالى تجاه هذه الحيوانات الصماء التي لا تستطيع الكلام لتشتكي.
وهكذا، بين القرآن الكريم الذي يدعو إلى التأمل في خلق الجمل كآية من آيات قدرة الله، والتعاليم النبوية التي تركز على الاحترام الواجب لهذا الحيوان، يظهر رسالة واحدة: الاهتمام بالمخلوقات التي ترافق الإنسان في حياته اليومية.
هذا الحضور المزدوج في النص المقدس وفي السنة يذكّرنا بأن الرحمة بالحيوان ليست أبداً مسألة ثانوية. التأمل في الخلق بتواضع، كما يوحي به الآية حول الجمل، هو أيضاً تعلّم معاملة كل مخلوق بالاحترام والرفق اللذين يستحقهما، سواء أكان جملاً في صحراء البادية أم أي حيوان آخر يشاركنا هذا العالم.