يعتمد الحيوان الذي يُتكفَّل به اعتمادًا كليًّا على اليد التي تُطعمه. يُبيّن حديثان رواهما أصحاب المصنفات المعتمدة، حديث المرأة التي حبست هرّةً وحديث البعير الذي يئنّ، أن رعاية الحيوان مسؤولية أمام الله.
الحيوان الذي يعيش بين أهله لا يختار مأواه ولا طعامه ولا الباب الذي يُفتح عليه أو يُغلق. كل ما يناله يأتيه من اليد التي تحفظه. وهذه التبعية بالذات هي ما تُبرزه السنّة النبوية في أخبار بسيطة الألفاظ، عظيمة الدلالة.
الهرّة المحبوسة
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن النبي ﷺ، أن امرأة عُذّبت بسبب هرّة ربطتها أو حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها ولا سقتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض.
لا يتوقف الحديث عند تفاصيل حياة تلك المرأة، ولسنا بحاجة إلى إضافة شيء. وما يُبرزه هو الجوهر: كائن حيّ كان تحت رحمتها، وأُهملت حاجاته الأساسية. ويربط النص خطورة الفعل بغياب هذه العناية. فالحيوان المحروم من الطعام والماء والحرية لا يملك إلا من يقبض عليه.
البعير الذي يشكو
ورد في سنن أبي داود أن النبي ﷺ دخل يومًا حائط رجل من الأنصار، فإذا فيه بعير. فلما رأى النبي ﷺ أنَّ البعيرُ وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح ذِفراه فسكن.
ثم سأل عن صاحب البعير، فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي. فقال له النبي ﷺ بمعناه: أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها؟ فإنها شكت إليّ أنك تُجيعها وتُدئبها.
والكلمة الفاصلة هي «ملّكك». فامتلاك الحيوان ليس حقًّا بلا مقابل، بل أمانة وُضعت في أيدينا. ويروي الكتاب نفسه توصية النبي ﷺ: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة.
ما تقوله هذه الأخبار لنا اليوم
لا تتحدث هذه الأحاديث صراحةً عن التخلي كما نعرفه اليوم: الحيوان المتروك على جانب الطريق أو أمام باب. لكن فيها مبدأ واضحًا: من تكفّل بحيوان فهو مسؤول عن طعامه وشرابه وراحته، ولا يحق له أن يتركه يعاني متغافلًا. فالقطّ أو الكلب الذي يُترك بعيدًا عن بيته يفقد دفعة واحدة طعامه ومأواه ومعالمه، ولا يستطيع أن يجدها وحده. ولهذا يستحق قرار تبنّي حيوان أن يُتدبَّر قبل اتخاذه.
وتروي المصنفات أيضًا أن رجلًا أصابه العطش، فنزل بئرًا فشرب، ثم خرج فإذا بكلب يلهث يأكل الثرى من شدة العطش. فملأ خفّه ماءً وسقاه، فشكر الله له فغفر له (رواه البخاري ومسلم). ونتعلم من ذلك أن كل كائن حيّ يستحق أن يُعتنى به.
فلتُعِنّا هذه القصة على النظر إلى رفقائنا من ذوات الشعر والريش والحوافر على أنهم أمانة استُودعناها. فإطعامهم وسقيهم ورعايتهم وعدم هجرهم أفعال متواضعة، لكنها تعبّر عن الرحمة التي علّمها النبي ﷺ لكل مخلوق.