في يومٍ من الأيام دعا النبي إبراهيم ربّه ليريه كيف يحيي الموتى. فجاءت الإجابة على شكل أربعة طير، تشتّت ثمّ أُحيي مجدّداً.
في يومٍ من الأيام، النبي إبراهيم ﷺ، يتوق إلى تعزيز يقين قلبه، توجّه إلى الله دعاءً مليئاً بالتواضع: أراد أن يشهد بعينيه سرّ الإحياء بعد الموت. هذا الحديث ورد في القرآن الكريم، في سورة البقرة.
دعاء إبراهيم
لم يشكّ إبراهيم في قوّة ربّه، بل كان يرغب في أن يطمئنّ قلبه برؤية معاينة لهذا المعجزة. فردّ عليه الله طالباً منه أن يأخذ أربعة من الطير.
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
وحين قال إبراهيم: «ربّ أرِني كيف تحيي الموتى». قال الله: «ألم تؤمن؟» قال: «بلى، لكن ليطمئنّ قلبي». قال الله: «فخذ أربعة من الطير، فصُرهنّ إليك، ثمّ اجعل على كل جبل منهنّ جزءاً، ثمّ ادعُهنّ يأتينك سعياً. واعلم أنّ الله عزيز حكيم».
(سورة البقرة، الآية 260)
مجرى المعجزة
تنفيذاً لأمر الله، أخذ إبراهيم أربعة من الطير. بحسب تفسيرات العلماء، كانت من بينها ديك وطاووس وغراب وحمامة، غير أنّ التفاصيل الدقيقة عن الأنواع تختلف بين المفسّرين. روّضها كما أمره الآية، فأقام بذلك رابطة من الألفة والثقة مع هذه المخلوقات قبل الشروع في الاختبار.
ثمّ، بأمرٍ من الله، وزّع أجزاء من هذه الطير على تلال مختلفة حولها. الصورة مؤثّرة: أجزاء متناثرة، منفصلة عن بعضها، بدت وكأنّها بعيدة للأبد عن أي إمكانية للحياة. وفي هذا التشتّت بالذات تكمن قوّة الآية الإلهية التي كانت ستأتي.
دعا إبراهيم الطير. وتحقّقت المعجزة: التأم كل جزء، عادت الحياة، وأقبل الطير سليماً حيّاً نحوه بسرعة، كما وصفه الآية. مثّل هذا اللحظة لإبراهيم التأكيد الملموس لما كان يعرفه بالفعل بالإيمان: الله يملك قوّة مطلقة على الحياة والموت، قادر على جمع ما بدا أنّه انفصل إلى الأبد.
درسٌ لجميع المؤمنين
هذا الحديث لا يروي شكّاً من إبراهيم في ربّه، بل يعكس الرغبة الشرعية للقلب البشري في تعزيز يقينه بآيات ظاهرة. كما يعلّم أنّ الإيمان والسعي نحو الفهم لا يتعارضان: يمكن للمرء أن يؤمن بقوّة مع أنّه يشتاق إلى رؤية تجلّي الحقائق التي يحملها في نفسه.
الطير في هذه القصّة ليست مجرّد عناصر في الديكور. بل هي الأدوات التي اختارها الله لإظهار قدرته، وتروضها من قِبل إبراهيم يذكّرنا بالقرب الطبيعي الذي يمكن أن يكون بين الإنسان والمخلوقات ذات الأجنحة، رابطة من الرقّة والاحترام المتبادل.
تدعونا هذه القصّة، حتّى اليوم، إلى أن ننظر بانتباه وعطف إلى الطير وإلى مجمل عالم الحيوان. هذه المخلوقات، التي اختارها الله لتجسيد أحد أعظم أسرار الوجود، تستحقّ احترامنا وحمايتنا ورفقنا في كل يوم، تخليداً لهذا الرابط المقدّس بين الحيّ وخالقه.