في أعماق البحر المظلمة، تلقّى حوت عظيم أمراً إلهياً غيّر مسار نبيّ هارباً إلى الأبد. إليكم قصة يونس والمخلوق البحري الوارد في القرآن الكريم.
أُرسل النبي يونس إلى قومه ليدعوهم لعبادة الله وحده، فأعياه إصرارهم على الكفر. غادر مدينته دون أن ينتظر إذن الله بالرحيل، حاملاً معه غضباً وإرهاقاً عميقين. وقد ورد هذا الحدث من حياته في عدة سور من القرآن الكريم، وخاصة في سورة يونس وسورة الصافات وسورة الأنبياء.
الهروب في البحر
ركب يونس سفينة تعرضت في وسط المحيط لعاصفة شديدة جعلت البحارة يخافون من الغرق. وفقاً لما يرويه المفسرون، قررت طاقم السفينة الاقتراع لتعيين من سيُرمى في البحر ليخفّفوا عن السفينة، معتقدين أن ذلك سيهدّئ الأمواج. وقع القرعة على يونس مراراً. فألقى بنفسه في الماء، فقبِل ما أصابه.
في تلك اللحظة أمر الله حوتاً عظيماً أن يبتلعه، ليس ليأكله بل ليحفظه في بطنه. ويروي القرآن الكريم ذلك في سورة الصافات:
﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾
(سورة الصافات، الآية 142)
في ظلام الأعماق
وجد يونس نفسه غارقاً في ظلام دامس، يصفه بعض المفسرين بأنه ظلام ثلاثي: ظلام بطن الحوت، وظلام البحر، وظلام الليل. مدركاً لذنبه حين غادر قومه دون انتظار الإذن الإلهي، توسّل إلى الله بصدق تام. ويحكي القرآن الكريم دعاءه في سورة الأنبياء:
﴿ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
(سورة الأنبياء، الآية 87)
ظل هذا الدعاء معروفاً لدى المسلمين باسم "دعاء يونس" نموذجاً للتوبة الصادقة. استجاب الله دعاءه وأنقذه من هذا الكرب، كما يؤكد الآية التالية من نفس السورة.
القذف على الساحل
ألقى الحوت بعدها يونس على أرض عارية، منهكاً ومرهقاً. وبحسب رواية المفسرين، أنبت الله فوقه نبتة، غالباً ما تُحدّد بأنها يقطينة، لتؤويه بظلها وتريحه أثناء تعافيه. وتذكر سورة الصافات هذه اللحظة:
- رُمي يونس على الساحل وهو "سقيم" ؛
- نبتت نبتة تغطيه ؛
- أُرسل بعدها إلى قومه فآمنوا برسالته.
تذكّرنا هذه القصة بأن لا مخلوق، مهما عظم من مخلوقات البحر، يفعل شيئاً إلا بإذن الله. لم يكن الحوت جلاداً ولا عبثاً: كان أداة ابتلاء ورحمة معاً، يطيع ما أُمر به تماماً.
تعلّمنا هذه الحكاية أيضاً الاحترام الواجب للحيوان، هذه المخلوقات التي تستسلم كلياً، مثل حوت يونس، لإرادة الله. فالعناية بها واحترام حياتها والحفاظ على بيئتها معناه الاعتراف بحكمة خالقها، الحكمة الظاهرة حتى في أعمق أعماق البحر.