يذكر القرآن الكريم، من بين النعم التي لا تُحصى الممنوحة للإنسان، صوفَ الأغنام وشعرَ الماعز وأشعارَ الخيل، وهي موادّ يحوّلها الإنسان إلى ملابس وفراش وأشياء للاستعمال اليومي.
قراءة في 1 دقائق · نُشر منذ 4 ساعات · 5 مشاهدة
في سورة النحل، يذكّر الله الناس بالنعم الكثيرة التي جعلها في الخلق، ومن بينها الأنعام التي يستفيد الإنسان من صوفها وشعرها وفرائها لبناء حياة أفضل. يندرج هذا الآية ضمن سياق أوسع حيث يُعرّف الماشية كمصدر للغذاء والشراب والنقل والملبس.
تأتي هذه الآية مباشرة بعد الآية التي تذكر البيوت المصنوعة من جلود الأنعام، وهي خفيفة يسهل نقلها عند الترحال والتنقل. معاً، تصف هذه الآيات صورة حية لحياة المجتمعات العربية الأولى، فكان الماشية بالنسبة إليهم ليست مجرد ثروة اقتصادية، بل موردًا حيويًا يشمل الملبس والمسكن والراحة المنزلية.
موادّ حوّلها الذكاء الإنساني
لم يُذكر صوف الأغنام وشعر الماعز وأشعار الجمل أو الخيل من قبيل الصدفة: إنها موادّ استطاع الإنسان أن يغزلها وينسجها ويشتغل بها منذ أزمان قديمة جداً. يدعو القرآن الكريم بذلك إلى النظر بامتنان إلى ما تضعه الطبيعة، بفضل إحسان الله، تحت تصرف الإنسان عبر الحيوانات الأليفة:
صوف الأغنام، للملابس الدافئة والبطانيات؛
شعر الماعز، وغالباً ما يُستخدم في الخيام والحبال؛
أشعار الخيل أو الجمل، المستعملة لأشياء مجدولة مختلفة والأثاث البسيط.
ورد في عدة كتب تفاسير أن هذه الآية توضح الحكمة الإلهية التي أسبغت على كل مخلوق خصائص نافعة، ليس فقط له، بل لاستقرار الحياة الإنسانية من حوله. يقول بعض المفسرين إن التعبير «إلى حين» يذكّر بالطابع الزائل لهذه الخيرات المادية، ويدعو المؤمن إلى عدم الانشغال بها بشكل مفرط، مع الاعتراف في الوقت ذاته بنفعها الحقيقي.
الرابط بين الإنسان والحيوان
لا تقتصر هذه الآية على وصف تقني: بل تركّز على علاقة الاعتماد المتبادل بين الإنسان والحيوانات التي يربيها. الماشية تطعمه وتكسوه وتنقله وتوفر له الراحة، لكن هذا يقتضي في المقابل عناية حثيثة من الذي ينتفع بها. في السنة النبوية، عدد من الأحاديث الصحيحة، وردت خاصة في صحيح البخاري، تذكّر بأهمية معاملة الحيوان معاملة حسنة، سواء بإطعامه أم بعدم إثقال ظهره أم بتجنيبه أي أذى لا ضرورة له.
وهكذا، فإن ذكر الصوف والشعر والفراء في القرآن الكريم ليس مجرد ملاحظة زراعية أو اقتصادية: بل يندرج في رؤية شاملة حيث كل نعمة يستخلصها الإنسان من الخليقة تستوجب منه شكراً ومسؤولية. الاعتناء بالحيوانات التي تمنحنا الدفء والملبس والراحة، هو بمثابة إكرام لنفعيتها وكرامتها كمخلوقات حية. يدعو هذا التذكير القرآني كل واحد منا، حتى اليوم، إلى معاملة الحيوانات التي يرتبط بها بطريقة ما يومنا هذا بلطف وتقدير.