قتل بلا شهود يُثير الاضطراب لدى بني إسرائيل. كي يكتشفوا الحقيقة، أمرهم الله بفعل غريب: ذبح بقرة معيّنة، وصفت بدقة تصبح بذاتها امتحانًا للإيمان.
لدى بني إسرائيل، قُتِلَ رجل ولم يعرف أحد من الذي ارتكب هذه الجريمة. كان كل واحد يتهم الآخر، والشك يتسع في المجتمع. لكي يُزيل الله هذا الغموض، أرسل موسى عليه السلام إليهم أمرًا من عنده تفاجأ القوم به تماما: ذبح بقرة.
طلب بسيط يصبح امتحانًا
بدلا من أن يقبلوا بهذا الأمر قبولا بسيطا، شرع بنو إسرائيل يكثرون الأسئلة حول لون البقرة وعمرها وصفاتها. هذا الموقف ورد في سورة البقرة، التي استمدت اسمها من هذه الحادثة بالذات.
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
(سورة البقرة، الآية 67)
أسئلة متتالية
بدلا من الطاعة بسهولة، طلب القوم توضيحات عن عمر البقرة، ثم عن لونها. فأُخبروا بأنها تكون صفراء زاهية براقة تسرّ الناظرين. لكن الأسئلة لم تتوقف: أرادوا أن يعرفوا إن كانت مذللة للحرث أم لسقي الحقول، أم لم تُستخدم لهذه الأعمال قط.
وفقا للنص القرآني، جاء الوصف النهائي ليحدد أنها بقرة لم تُذلل للحرث ولا لسقي الحرث، سليمة لا عيب فيها، موحدة اللون تماما. لم يبدأوا بالبحث عن البقرة المطابقة لهذه الصفات والذبح إلا بعد هذه السلسلة الطويلة من الشروط، وكادوا أن لا ينفذوا الأمر، كما يشير إليه الآية.
الحقيقة تنكشف
لما تمّ الذبح، أُمروا بضرب الجثة بجزء من البقرة. بإذن من الله، عاد الميت إلى الحياة قدر الوقت اللازم كي يكشف هوية قاتله، ثم عاد إلى حالته الأولى. هذا المعجزة، الموثقة في السورة ذاتها، أظهرت للجميع قدرة الخالق على الحياة والموت، وذكرتهم بأن شيئا لا يخفى على علمه، حتى الأفعال المرتكبة في أعمق السرية.
يحمل هذا القصص درسًا أيضا حول كيفية استقبال الأوامر الإلهية: بنو إسرائيل، بكثرة أسئلتهم عن اجتهاد أو تردد، أرّقوا على أنفسهم مهمة كانت يمكن أن تبقى بسيطة. يشير الشراح غالبا إلى أن الأيسر كان أن يذبحوا أي بقرة تستجيب للأمر الأول، دون هذا البحث الدقيق الذي أرجأ تحقيق الحقيقة.
حيوان في قلب درس روحاني
من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن هذا الحيوان، الذي يبدو عاديًا جدًا في الحياة اليومية للمجتمعات الزراعية في تلك الحقبة، يصير هنا وسيلة لتعليم عميق عن الإيمان والطاعة والثقة بحكمة الله. البقرة لم تُختر عشوائيًا: كانت حيوانًا نافعًا، محترمًا، غالبا ما يقترن بعمل الأرض وعيش الأسر.
يذكّرنا هذا القصص بأن الحيوانات تحتل مكانة خاصة في السرد المقدس، أحيانًا كمجرد كائنات الحياة اليومية، وأحيانًا كعناصر مركزية لتعليم ما. كما يدعونا إلى التأمل في القيمة التي يكتسبها كل كائن حي: البقرة، مثل أي حيوان، تستحق أن تُعاملَ باحترام وبدون قسوة، سواء في تربيتها أو استخدامها في العمل أو، عند الاقتضاء، في ذبحها الطقسي، الذي يجب في التقليد الإسلامي أن يصحبه دوما لطف وتقدير للمخلوق.