في قصة أصحاب الكهف، يقف كلب وفيّ حارساً على مدخل الملجأ الذي ينام فيه سبعة فتية لقرون من الزمان. فلماذا يعتني القرآن الكريم بذكره؟
قراءة في 1 دقائق · نُشر منذ 3 أيام · 19 مشاهدة
في سورة الكهف، يسرد القرآن الكريم قصة فتية اختاروا الفرار من مجتمع معادٍ لدينهم، واحتموا في كهف حيث أنام الله عزّ وجل حنوناً عميقاً امتدّ قروناً من الزمان. ما يلفت الانتباه عند قراءة هذه القصة هو التفصيل الذي لا يتوقعه المرء في نصّ مقدّس: وجود كلب نائم على مدخل الكهف، إلى جانب النيام.
صاحب ذكر متكرّر
لا يظهر الكلب مرة واحدة عابراً: بل يُذكر عدة مرات في الآيات القرآنية المخصصة لهذه القصة. ينصّ القرآن على وضعيته، مع ذراعيه ممدودة على عتبة الغار، كحارس صامت وفيّ. وليس هو مجرد عنصر في الديكور: القرآن يستبقي على ذكره، مع أنه كان بإمكانه أن يروي قصة الفتية من غير أن يتحدث عنه.
أورد كثير من المفسّرين أنّ هذا التفصيل ليس من قبيل الصدفة. بذكر الكلب في المشهد، يبيّن القرآن الكريم أنّ الحماية والرفقة التي يمنحها الله لعباده قد تتسع لتشمل أضعف المخلوقات في نظر أهل تلك الحقبة. في الثقافة الجاهلية، لم يكن الكلب يحظى دائماً بالتقدير، والقرآن هنا يضعه في نفس النوم المعجز، في نفس الحماية الإلهية، في نفس المقام المقدس مع الفتية المؤمنين.
يقول بعض المفسّرين إنّ هذا الموضع يذكّرنا أيضاً بأنّ لا شيء مما يوجد غير مهم في الخلق: حيوان وفيّ، صامت، كادت تمحوه قصة البشر، غير أنه خُلّد في الكتاب إلى الأبد. يصبح الكلب بذلك رمزاً خافتاً للوفاء والحضور الرحيم، صاحباً لا يطلب شيئاً لكنه يبقى، ببساطة، إلى جانب من يرافقهم.
من الناحية السردية، حضوره يعمّق دلالة المعجزة أيضاً: لا يقطع القرون في نوم معلّق البشر وحدهم، بل تنجو معهم جماعة حية صغيرة كاملة، إنسان وحيوان متّحدان، مصيانان بذات إرادة إلهية واحدة. يوسّع هذا من معنى الحكاية: الحماية الإلهية لا تقف عند جنس البشر.
درس في الرحمة يعبر الأجيال
يحمل هذا المقطع القصير من سورة الكهف إلى حد اليوم دعوة للتأمّل في مكانة الحيوان في الخلق. إذا رأى القرآن من الخير أن يذكر هذا الكلب، أن يصف وضعيته، أن يضمّه إلى معجزة عظيمة من هذا القدر، فلعلّ في ذلك تذكرة لطيفة بأنّ لكل كائن حي، مهما بدا متواضعاً، مكانة وكرامة في نظر الله.
للقارئ المعاصر، تدعو هذه القصة إلى إمعان النظر والرحمة بالحيوانات من حولنا. الاعتناء بالكلب، الحرص عليه، التعامل معه برفق، ليس فعلاً هامشياً: إنه انخراط متواضع في تلك الرعاية نفسها التي يخصّ بها القرآن كل كائن حي، حتى في أقدس الحكايات.