سار ملك قوي على مكة بجيش وفيلة لتدمير الكعبة. ما حدث ذلك اليوم رواه القرآن الكريم في سورة تحمل اسم هذا الحيوان بعينه.
تدور أحداث هذه القصة في سنة مولد النبي محمد ﷺ، وهي الفترة التي تسميها التقاليد الإسلامية «سنة الفيل». كان ملك يُدعى أبرهة يحكم اليمن، فأمر ببناء كنيسة عظيمة، وأراد أن يحرف الحجاج الذين يتوجهون إلى الكعبة في مكة عن طريقهم إليها. فلما رأى أن العرب ظلوا يقصدونها، عزم على السير إلى الكعبة بجيش جرار ليهدمها.
جيش تقوده الفيلة
ما جعل هذا الجيش مخيفاً بوجه خاص هو صحبة الفيلة له، وهي حيوانات لم يكن العرب في الجزيرة قد شهدوا لها نظيراً من قبل، وبدت وكأنها لا تُقهر أمام دفاعاتهم المتواضعة. وقد روِي أن أحد الفيلة، والذي غالباً ما يُدعى محمود في الرواية الإسلامية، رفض أن يتقدم حين اقتربت الجيوش من مكة: فكلما استُقبلت به نحو المدينة المقدسة، وقف وجثا على ركبتيه، وما كان يسير إلا إذا حُرّف عن طريق مكة. ويرى المُفسرون أن هذا السلوك الغريب من الحيوان إرهاصة تدل على ما سيحدث بعده.
أما عبد المطلب جد النبي ﷺ، الذي كان حينئذ قيّماً على الكعبة، فذهب إلى أبرهة طالباً فقط استرجاع إبله التي أخذت منه، مستودعاً حماية البيت الحرام لله تعالى. وقد قال فيما نقلته الروايات: إن للكعبة ربّاً سيحميها.
العذاب نزل من السماء
فحينئذ وقع ما أخبر عنه القرآن الكريم في السورة التي تحمل اسم هذا الحيوان، سورة الفيل. أرسل الله تعالى على جيش أبرهة طيراً أبابيل، تقذف عليهم حجارة من سجيل. فأهلكتهم وأبادت جيشهم قبل أن يتمكنوا حتى من الاقتراب من الكعبة.
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾
(سورة الفيل، الآيات 1 إلى 5)
يذكّر المُفسرون أن هذا الحدث وقع قبل مولد النبي ﷺ بقليل، وأنه كان معروفاً في جزيرة العرب كافة دليلاً ظاهراً على الحماية الإلهية للكعبة، قبل ظهور الإسلام ذاته. والفيل الذي رفض التقدم يحتل مكاناً خاصاً في الروايات: فهو لم يكن أداة للتدمير، بل كان برفضه ذاك العلامة الصامتة التي تشي بأن أمراً غير عادي آوشك أن يحدث.
درس في الرحمة
تذكّرنا هذه القصة بأن الحيوانات، صغيرة كانت أم كبيرة، تحتل مكاناً مراداً لها في خلق الله وفي نظام العالم، وأن سلوكها قد يحمل علامات لا يدركها البشر دائماً. وهي تدعو المؤمنين إلى التأمل في الخلائق من حولهم بتواضع واحترام، وإلى عدم استخدامها أبداً لأغراض التدمير أو السيطرة، بل بالاعتراف فيها بآيات من حكمة الله تستحق منا الانتباه والرفق.