يمر مسافر بقرب قرية خربة، شاكًّا في البعث. فيميته الله مائة سنة، ثم يعيده إلى الحياة، وإلى جانبه رفيق صامت: حماره، عظام المتناثرة سوف تحيا هي أيضًا أمام عينيه.
رجل، بحسب ما يرويه المفسرون، كان يسير مع حماره بقرب قرية خربة قد تهاوت جدرانها وتفرق أهلوها منذ زمن بعيد. وبينما هو يتأمل هذه الأطلال الموحشة، خطرت له تساؤلات: كيف يمكن لله تعالى أن يحيي ما قد مات منذ أزمان سحيقة؟ وهذا الشك، لم يكن ثورة على القدر، بل كان استفسارًا نابعًا من الشك الصادق، فاختار الله سبحانه أن يجيب عليه لا بالأقوال، بل بآية ظاهرة وعظيمة.
مائة سنة من النوم
فأماته الله، فظل في هذه الحالة مائة سنة. وطوال هذا الوقت، مكث حماره بجانبه، لكن الزمن أنهك الحيوان: اضمحلت لحمه، وتناثرت عظامه، وابيضت من طول السنين. ثم جاء الوقت، فأحياه الله وسأله: كم لبثت؟ فأجاب الرجل، وهو لا يعلم بما مضى: لبثت يومًا أو بعض يوم فحسب.
عندئذ أظهر الله له الحقيقة وأراه الدليل الأقوى والأوضح: طعامه وشرابه، اللذان ترك بجانبه، لم يتعفنا ولم يتغيرا، بينما حماره لم يعد إلا كومة من العظام المتفرقة. وهذا التباين بين الطعام السليم والحيوان الذي تحول إلى هيكل عظمي كان درسًا في ذاته عن قدرة الله وحكمته، التي تحفظ شيئًا وتفني آخر بمشيئتها.
البعث أمام عينيه
ويصل السرد إلى قمته عندما يأمر الله الرجل أن ينظر إلى عظام حماره. أمام عينيه مباشرة، تجمعت تلك العظام المتناثرة، وكسيت باللحم، وقام الحيوان حيًّا يمشي، كأنه لم يذُق الموت قط. وهذا المشهد، الذي عاينه بنفسه، ذهب عنه كل شك: من يملك القدرة على إحياء حمار من عظام متناثرة، فهو بلا ريب قادر على بعث الناس من بعد موتهم.
﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(سورة البقرة، الآية 259)
آية للناس أجمعين
وهذا السرد، الذي أودعه الله في القرآن الكريم، لم يقصد به هذا الرجل وحده: الآية الكريمة تنص صراحة على أنه جعل «آية للناس»، أي لكل البشرية التي تأتي من بعده. والحمار، ذاك الحيوان الوديع والرفيق الوفي في الأسفار، يصير بذلك الآلة التي اختارها الله ليبيّن بأبهى صورة حقيقة البعث، تلك الحقيقة التي كثيرًا ما يتردد فيها القلب.
يذكرنا هذا السرد برفق أن حتى أتفه المخلوقات، مثل هذا الحمار الوفي، لها موضع معتبر في تعليم الله للبشر. والعناية بالحيوان واحترام حياته وموته، فيه من الدلالة على تكريم تلك الآيات التي بثها الله في الخليقة كي تنبه قلوبنا وتستحثنا على شكره.