في أطلال الحجر الصخرية، أُرسِلَت ناقة مقدَّسة آية لقوم كانوا يكفرون. وكان مصيرها المؤلم كفيلاً بأن يختم مصير ثمود إلى الأبد، مذكّراً بالاحترام الواجب لكل مخلوقات الله.
كان قوم ثمود يسكنون منطقة الحجر، ينحتون بمهارة بيوتهم من الصخر. بعث الله إليهم النبي صالح عليه السلام ليدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد وترك الأصنام. لمّا أعرضوا عن دعوته، طلب أشراف القوم آية عظيمة ليؤمنوا برسالته.
ناقة أُرسِلَت آية
فأخرج الله ناقة من الصخر معجزة، برهاناً واضحاً لقوم ثمود. وأخبرهم صالح أن هذه الناقة أصبحت من نصيب القوم، وأنهم يشاركونها الماء يوماً بعد يوم، ولا يسيئون إليها بأي حال. ويروي القرآن الكريم هذا التحذير في سورة الشمس:
﴿ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ﴾
حيث قال لهم رسول الله: احذروا ناقة الله وشرابها.
(سورة الشمس، الآية 13)
لم تكن هذه الناقة حيواناً عادياً إذن: فهي تمثل آية من آيات الله، وضعها الله أمانة عند القوم، لتكون اختباراً لطاعتهم ورحمتهم بمخلوق بريء.
الجريمة والعقاب
غير أن بعض أفراد قوم ثمود، بدفع من الكبر والعناد، تآمروا على قتل الناقة. ويروى أن أحدهم، وصفه المفسرون بأنه أشقى القوم، تولّى هذا الفعل الآثم، بتشجيع من سواه. وتحكي سورة الشمس عن مصيرهم:
﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا ﴾
فكذَّبوه وعقروا الناقة، فأهلكهم الله بذنبهم وأذاقهم العذاب، فلم يبقَ منهم أحد.
(سورة الشمس، الآية 14)
وكان صالح قد أنذر قومه بأن موت الناقة سيجرّ عليهم عذاباً شديداً في مهلة ثلاثة أيام. ومضت تلك الأيام دون أن يظهر على المذنبين أي أثر للتوبة الصادقة. فحلّ بهم العذاب الموعود، وهو كما ذُكِر في آيات كثيرة من القرآن الكريم، لا سيما في سورة الأعراف وسورة هود، صيحة مروّعة وزلزلة أرسلت الموت إليهم جميعاً، ما عدا من آمن مع صالح.
درس لكل الأزمان
هذه القصة، التي تكررت في القرآن الكريم في مواضع عديدة، خاصة في سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء وسورة النمل وسورة الشمس، تظهر كيف أن الاستخفاف بآية من آيات الله، تمثلت هنا في ناقة بسيطة، قد يجر أبعد العواقب. فالحيوان لم يكن مجرد مخلوق عادي: بل كان يحمل معنى الابتلاء والرحمة بالمخلوق البريء.
هذه القصة تعلمنا أن الرفق بالحيوان لم يكن أبداً مسألة ثانوية في الديانة الإسلامية. فالعناية بالمخلوق الحي، واحترام حاجته إلى الشراب والعيش في سلام، مسؤولية أخلاقية عميقة. وتبقى هذه القصة إلى يومنا هذا دعوة لكل واحد منا كي يتأمل في طريقة تعاملنا مع الحيوانات من حولنا، ذاكراً أن كل ما خلقه الله من حياة يستحق الاحترام والعطف والحماية.