روى النبي ﷺ ذات يوم قصة رجل عطش فنزل إلى بئر يشرب، ثم صعد ليُنقذ كلباً يموت عطشاً. كان هذا الفعل البسيط درساً أبدياً عن الرحمة بكل مخلوق.
قراءة في 1 دقائق · نُشر منذ أسبوعين · 20 مشاهدة
كان رجل يسير في طريق، وقد أرهقه العطش الشديد. فرأى بئراً فنزل إليها، وشرب حتى ارتوى، ثم صعد. فإذا به يرى كلباً يلهث، وقد خرجت لسانه، يلحس الأرض الرطبة والطينية من شدة عطشه. فقال الرجل في نفسه: "إن هذا الكلب يعاني من العطش كما عانيت أنا." فنزل إلى البئر مرة أخرى، وملأ حذاءه ماءً، وأمسكه بفيه ليصعد، ثم سقى الكلب العطشان.
القصة التي رواها النبي ﷺ
روى النبي ﷺ نفسه هذه القصة لأصحابه، كما ذكرها صحيح البخاري. وبيّن أن الله تعالى، لهذا الفعل من الرحمة بحيوان، غفر لهذا الرجل ذنوبه. فتعجب الصحابة من أن تكون طاعة واحدة تجاه كلب بهذه الأهمية، فسألوه: "يا رسول الله، أفي إحساننا إلى البهائم من أجر؟" فأجاب النبي ﷺ بالكلمات التي صارت مشهورة، وروتها أيضاً صحيح البخاري وصحيح مسلم: "في كل ذي كبد رطبة أجر."
Publicité
Publicité
هذا التعبير، "ذي كبد رطبة"، يقصد به العلماء والمفسرون كل كائن حي، متمتع بالحياة والدم، سواء كان حيواناً أليفاً أم وحشياً أم مخلوقاً صغيراً في الصحراء. والرحمة في هذا التعليم لا تعرف حدود النوع.
تعليم عام
ورد أيضاً في حديث آخر صحيح أن النبي ﷺ ذكر الحالة المعاكسة: امرأة عُذبت لأنها حبست هرة، فتركتها حتى ماتت من الجوع والعطش، بلا ماء تشربه ولا حرية تبحث بها عن الحيات في الأرض. هذا الحديث، الذي رواه صحيح البخاري، يكمل الحديث الأول: الإحسان إلى الحيوان قد يكون سبباً في غفران الله، بينما القسوة عليه قد تكون سبباً في العذاب.
لم تُروَ هاتان القصتان عبثاً. أراد النبي ﷺ أن يترسخ في قلوب المؤمنين حقيقة بسيطة لكنها غالباً ما تُنسى: أن رحمة الله تسع جميع مخلوقاته، وأن الإنسان، بوصفه مسؤولاً عن هذا العالم، مدعو ليعكس هذه الرحمة في أعماله اليومية، حتى تجاه حيوان شارد يلقاه في طريقه.
المفسّرون والعلماء الذين شرحوا هذه الأحاديث يؤكدون أنها لا تقصد الكلاب والقطط وحدها، بل كل الحيوانات. وحسب بعضهم، ينسحب هذا المبدأ على طريقة تغذية الماشية، ومعاملة دواب الحمل، بل وحتى على الصيد بغير إسراف ولا قسوة بلا مبرر.
الإحسان خيط يسري عبر كل حياة
هذه القصة، التي نُقلت منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، تحتفظ بقوتها إلى يومنا هذا. فهي تذكّرنا بأن كل فعل تجاه حيوان، مهما كان متواضعاً، يحمل وزناً يتجاوز اللحظة: إعطاء الماء لدابة عطشى، إطعام قطة ضالة، مداواة طائر مجروح، كل هذه الأفعال، حسب هذا التعليم، لا تكون أبداً بلا جدوى. اعتناء الإنسان بالحيوانات التي تعترض طريقه، بصبر ولطف، هو مشاركة في تلك الرحمة الشاملة التي أراد النبي ﷺ أن ينقلها لنا عبر قصة بسيطة: رجل وبئر وكلب عطشان.