في القرآن الكريم، يقول الله تعالى إنه « أوحى » إلى النحل. فما معنى هذا الوحي الموجه إلى حشرة صغيرة جداً، وماذا يعلّمنا عن الحكمة الإلهية والنظام المعجز في خلية النحل؟
قراءة في 1 دقائق · نُشر منذ أسبوع · 16 مشاهدة
من أعجب آيات القرآن الكريم تلك الآية التي يخاطب فيها الله تعالى النحل مباشرة، مُلهماً إياه سلوكاً محدداً. هذا المقطع، الموجود في سورة تحمل اسم هذه الحشرة تحديداً، سورة النحل، يدعو المؤمن إلى التأمل في كيف أن الخلق كله يُطيع أمراً إلهياً، حتى في أدقِّ تفاصيله.
آية الإلهام الإلهي
يشرح الله تعالى فيها أنه أوحى إلى النحل أن يتخذ من الجبال بيوتاً، ومن الشجر وممّا يعرشون، ثم يأكل من كلِّ الثمرات، سالكاً سبل ربه التي يسّرها له.
والآية التالية توضح أن النحل يأكل بعدها من كل الثمرات ويسلك سبل ربه، سبل « ذللت » له، ثم يخرج من بطنه شراب مختلف ألوانه، فيه شفاء للناس. هذا العسل، ثمرة عمل جماعي بدقة فائقة، يُعرّف هنا بأنه آية لقوم يتفكرون.
إلهام مختلف عن الوحي النبوي
من المهم التنويه، كما يذكّر به كثير من المفسرين، بأن كلمة « أوحى » المستعملة هنا ليس لها نفس معنى الوحي الموجه إلى الأنبياء. إنه غريزة، هداية غريزية وضعها الله في طبع الحيوان نفسه، تمكنه من إنجاز مهمة لا تتطلب تعلماً رغم تعقدها الشديد: بناء عيون سداسية الأضلاع مثالية، وتنظيم هرم اجتماعي، والتواصل برقصات دقيقة، وتحويل رحيق الأزهار إلى عسل.
حسب بعض المفسرين، تجسد هذه الآية كيف يُسيّر الله تعالى خلقه كله، من الأكبر إلى الأصغر، كل مخلوق يستقبل من ربه ما يحتاجه لتأدية الوظيفة المقررة له. فالنحل يصير، في القرآن، رمزاً للنظام والانضباط والنفع في خدمة سائر المخلوقات، لأن العسل الذي ينتجه ينفع الإنسان مباشرة.
درس للإنسان
لاحظ شرّاح القرآن كثيراً الحمل الرمزي لهذا المقطع: مخلوق صغير جداً، محروم من العقل بالمعنى الإنساني، ينجز مع ذلك عملاً منظماً بإعجاب شديد ببساطة لأنه يتبع الإلهام الذي أودعه خالقه فيه. يُدعى المؤمن هكنا إلى التأمل في مكانه هو نفسه في الخلق، وفي الكيفية التي يستطيع بها هو أيضاً أن يتبع بثبات الهداية المخصصة له.
أوصى النبي محمد ﷺ كذلك باستعمال العسل كعلاج، وهو ما رُوي بخاصة في صحيح البخاري، مؤكداً بذلك القيمة الطبية المذكورة في الآية القرآنية.
تذكّرنا هذه القصة بأن كل مخلوق، مهما دقّ، يحتل مكاناً أراده الله وينجز وظيفة نافعة لتوازن العالم. فالاعتناء بالنحل، واحترام موطنه، وتجنب إبادتها دون ضرورة ـ وهي حشرات ثمينة جداً للتلقيح وإنتاج العسل ـ ينسجم تماماً مع الرحمة بالحيوان التي يدعونا القرآن إلى تنميتها في حياتنا اليومية.