في يوم من الأيام، قام النبي سليمان بمراجعة جيشه المؤلف من الإنس والجن والطير. توقف نظره على مكان خالٍ: الهدهد الوفي، رغم إخلاصه، تخلّف عن الحضور.
كان النبي سليمان بن داود قد آتاه الله ملكاً لم يؤتَ لأحد: يسخّر له الإنس والجن والريح، ويفقه لغة الطير. وفي يوم من الأيام، بينما كان يستعرض جنوده المجتمعين، استرعى انتباهه الطير فلاحظ فوراً أن واحداً منهم لم يكن حاضراً.
الغياب الملحوظ
يروي هذا القصة القرآن الكريم في سورة النمل. قام سليمان بمراجعة الطير فتفقّده فوجد غياب الهدهد. فلم يبقَ متسامحاً إزاء هذا الغياب، بل أبدى حينها عدم رضاه وحزمه تجاه هذا الغياب غير المبرر.
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴾
(سورة النمل، الآية 20)
تابع سليمان بالتعهد بعقوبة قاسية إن لم يكن لهذا الغياب عذر واضح ومقنع، ما يكشف عن القوة والحزم التي كان يدير بهما شؤون مملكته، حتى تجاه أضعف رعاياه، حتى لو كانوا من الطير.
عودة الهدهد وخبره
لم يمضِ وقت طويل حتى عاد الهدهد وحضر أمام سليمان. أخبره أنه اكتشف أمراً لم يكن سليمان يعلمه: جاء من بلاد سبأ حيث شاهد ملكة عظيمة تحكم قوماً يسجدون للشمس من دون الله. هذا الخبر الذي أتى به الهدهد يروده القرآن في الآيات اللاحقة من ذات السورة، حيث يصف بدقة ما عاينه، من غير أن يكون سليمان قد أرسله في مهمة من قبل.
يسلط هذا المقطع الضوء على عدة حقائق جوهرية: أولاً، أن كل مخلوق، مهما بدا متواضعاً ظاهراً، له دور ووظيفة في نظام الله؛ وثانياً، أن سليمان، رغم قوته الهائلة، كان يولي كل رعاياه عناية صادقة، ويحرص على عدم غياب أحدهم بلا سبب مشروع. فالهدهد، بعيداً عن أن يكون طائراً عادياً بين سواه، صار رسولاً نقل خبراً استراتيجياً غيّر مسار الأحداث وأدى إلى التواصل بين سليمان وملكة سبأ.
درس في اليقظة والاعتبار
يؤكد المفسرون أن هذه الحادثة توضح عدل سليمان وحزمه في إدارة ملكه، لكنها أيضاً تعكس احترامه لمخلوقاته الذين كانوا يخدمونه. فلم يكن يغفل عن حضور أو غياب طائر واحد صغير، وهذا يشهد على الاهتمام الذي كان يوليه لكل صورة من صور الحياة، كبيرة كانت أم صغيرة.
يعلمنا هذا السرد أن حتى مخلوقاً متواضعاً مثل الهدهد قد يقوم بدور حاسم عندما نعيره انتباهنا وتقديرنا. إنه يدعونا، في مستوانا، إلى ملاحظة الحيوانات من حولنا بعناية، والالتفات إلى وجودها واحتياجاتها وسلامتها، بدلاً من عدّها من الأمور التافهة. إن العناية بالحيوان والقلق على غيابه وعلى معاناته هو استمرار لتلك الحكمة التي درسنا إياها قصة سليمان والهدهد.