كلب عطشان يشرب من الماء الذي صبّه مسافر قرب بئر في الصحراء، رسم لطيف بألوان مائية.
قصة المزارع والمروج الوسط الحضري الرحمة بالحيوان

لماذا يؤكّد الإسلام كثيرًا على الرحمة بالحيوان؟

كلبٌ عطشانٌ، وبئرٌ عميقةٌ، ورجلٌ بلا ماء: من هذا السّردِ البسيطِ الوارد في كتبِ الأحاديثِ تنبثقُ إحدى أعمقِ دروسِ الإسلامِ حول قيمةِ كلِّ حياةٍ حساسةٍ.

قراءة في 1 دقائق · نُشر منذ أسبوعين · 26 مشاهدة

يُروى في حديثٍ صحيحٍ أنّ رجلاً كان يسيرُ في الطريقِ فأصابته عطشٌ شديدٌ. فرأى بئراً فنزل إليها وشرب حتى رويَ عطشه، ثم صعد. فإذا به يرى كلباً يلهثُ ويلحسُ الأرضَ الرطبةَ من شدّةِ عطشه. فقال الرجل: « هذا الحيوانُ شعر بما شعرتُ به للتّو. » فنزل مجدّداً إلى البئرِ، وملأ حذاءَهُ ماءً، ثم أمسكه بين أسنانه ليصعد، وسقى الكلب. فحكى النّبيُّ ﷺ أنّ الله تعالى، راضياً عن هذا الفعل، غفر لهذا الرّجل ذنوبه. وهذا الحديثُ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.

رحمةٌ لا تعرفُ حدوداً

يُستشهدُ بهذا الحديثِ كثيراً كأساسٍ للموقفِ الذي يُوصي به الإسلام تجاه الحيوانات جميعاً. فلمّا سمع أصحابُ النّبيِّ ﷺ هذا السّردَ سألوه: « يا رسول الله، هل لنا أجرٌ في الإحسان إلى الحيوان؟ » فأجاب ، بحسب الرّوايةِ المتناقلةِ: « في كلّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ. » وهذه الصّيغةُ، المتكررةُ في كتبِ أحاديثَ عديدةٍ، تعني أنّ كلّ خلقٍ حيٍّ — لا الإنسان وحده — يستحقُّ الشّفقةَ والاهتمام.

Publicité
Publicité

والقرآنُ الكريمُ نفسُه يذكرُ في مواضعَ عديدةٍ مكانةَ الحيوانِ في الخلق، ويُذكّرُ أنّها تشكّلُ، مثلَ البشر، جماعاتٍ منظّمةً. وفي سورة الأنعام: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٌ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ (سورة الأنعام، الآية 38). وهذه الآيةُ تدعو المؤمنين إلى أن يعترفوا في عالمِ الحيوان بكرامةٍ ذاتيةٍ أرادها الخالقُ، وليس مجرّدَ ديكورٍ موضوعٍ تحت تصرُّفِ الإنسان بلا حدود.

مثالٌ معاكسٌ لفهمٍ أفضل

وفي المقابل، يُروى في صحيح البخاري قصّةُ امرأةٍ عُذّبت لأنّها حبست هرّةً لم تطعمها ولم تتركها تصطادُ لتأكل، حتّى ماتت الحيوانة. وهذا الحديثُ يُتمّم الأول: فالرّحمةُ ليست مجرّد أفعالٍ كريمةٍ عابرة، بل تعني أيضاً عدمَ إلحاقِ ألمٍ غير ضروريٍّ بأيّ مخلوقٍ على ذمّتك، مهما صغرت قيمتُه.

وهذان السّردان، معاكسان في مآلهما، يرسمان معاً متطلباً واحداً: من له سلطانٌ على حيوانٍ — سواء كان في إطعامه أو سقايته أو مجرّد عدمِ إعاقتِه — يحمل مسؤوليّةً أخلاقيّةً أمام الله. وهذا ليس نصيحةَ حسن تصرّف فحسب، بل هو مبدأٌ مرتبطٌ مباشرةً بحسابِ أفعالِ كلّ إنسان.

وإذا أكّد الإسلامُ كثيراً على هذه الرّحمة، فلأنّها تُقدّمُ كطريقٍ من طرقٍ عديدةٍ نحو المغفرةِ الإلهيّة، متاحةٌ للجميع بكلّ بساطة، عبر فعلٍ متواضعٍ مثل سقاية حيوانٍ عطشان. وهي أيضاً طريقةٌ لتذكيرِ الإنسان بأنّ قيمةَ الفعل لا تُقاسُ بحجمه الظاهر، بل بالنيّة والشّفقةِ التي تحركه.

وحتّى اليوم، يحتفظ هذا الرّسالُ بكلّ أهميّته: أن نسهرَ على أن يكون للحيوان ماءٌ، وطعامٌ، وملجأٌ لائق، أو أن لا نسيءَ معاملته ببساطة، يظلّ عملاً من أعمالِ الإيمان قدرَ ما هو عملُ إحسان. والعنايةُ بالمخلوقات التي تحيطُ بنا، حتّى الأكثرَها تواضعاً، هي استمرارٌ لهذه الرّحمةِ الكونيّة التي يضعها الإسلامُ في صميمِ العلاقة بين الإنسان والحياة.

المصادر

قصة راجعها فريق التحرير في أنيماليا.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد.

Publicité
الأعلى
أخبار
تابع TunisieVet على فيسبوك
نصائح وتبنّي وأخبار بيطرية
تابعنا